✳️ الاهتمام بين المسؤولية والتقدير
“الاهتمام بين المسؤولية والتقدير” من الموضوعات الإنسانية العميقة التي تمسّ العلاقات في كل مستوياتها — الأسرية، المهنية، والاجتماعية.
ففي عالمٍ يتسارع إيقاعه حتى كاد الإنسان ينسى نفسه، أصبح الاهتمام قيمة نادرة تُشبه الماء العذب في صحراء المشاعر. ومع ذلك، يظل السؤال قائمًا:
هل الاهتمام واجبٌ نابع من المسؤولية؟ أم هو تعبيرٌ اختياري عن التقدير والحب؟
وهل يمكن أن يكون أحدهما دون الآخر؟
أولاً: الاهتمام كمسؤولية
عندما يرتبط الإنسان بآخر – أباً كان أو أماً، قائداً أو موظفاً، صديقاً أو شريكاً – يصبح جزءاً من دائرة التزامٍ أخلاقي وإنساني تُحتّم عليه أن يُظهر اهتماماً بالآخرين.
فالأب الذي يتابع تفاصيل أبنائه، والمسؤول الذي يصغي لموظفيه، والمعلم الذي يتفقد طلابه، كلهم يمارسون اهتماماً نابعاً من شعورٍ بالمسؤولية، وليس من ترف المشاعر.
إن الاهتمام المسؤول ليس مجاملة، بل هو رعاية متزنة تحكمها القيم والواجبات.
إنه وعي بأن وجودنا لا يكتمل إلا حين نكون سبباً في راحة الآخرين وتقدمهم.
وفي غياب هذا النوع من الاهتمام، تذبل العلاقات ويخفت وهج الانتماء، لأن المسؤولية بدون اهتمام تتحول إلى روتينٍ جاف، والسلطة بدون إنصات تفقد معناها الإنساني.
ثانياً: الاهتمام كتقدير
لكن الجانب الأجمل من الاهتمام هو ذاك الذي لا يُطلب، ولا يُقاس بالواجبات، بل يُقدَّم طواعيةً من القلب.
إنه الاهتمام الناتج عن التقدير، حين يشعر الإنسان بأن من أمامه يستحق العناية والمتابعة، لأن وجوده له قيمة.
هذا النوع من الاهتمام لا تُحدّده علاقة رسمية، ولا تحدّه حدود زمنية، بل هو فعل احترامٍ للآخر واعترافٌ بفضله أو مكانته أو دوره.
فحين يهتم المدير بموظفٍ تقديراً لجهده، أو يلتفت الصديق لصديقه في لحظة تعبٍ دون طلبٍ منه، أو يكتب أحدهم كلمة امتنان لمن ساعده يوماً، فذلك هو التقدير الحقيقي الذي يرفع منسوب الإنسانية في الحياة.
ثالثاً: التوازن المطلوب
أجمل ما في الاهتمام أن يكون مزيجاً من الاثنين: مسؤولية تُنظم، وتقدير يُلهم.
فالمسؤولية وحدها قد تُحوّل الاهتمام إلى عبءٍ ثقيل، والتقدير وحده قد يجعله عاطفةً عابرة لا تستمر.
أما حين يجتمعان، فإن العلاقة تصبح راقية ومتينة، يسودها الاحترام، وتغذيها الإنسانية.
إن الاهتمام الذي يخرج من رحم المسؤولية ويُزهر بلمسة التقدير هو ما يجعل القائد محبوباً، والأب قريباً، والزوج أو الزوجة موضع ثقةٍ ودفء.
ذلك أن الناس لا تحتاج إلى الاهتمام فحسب، بل تحتاج أن تشعر بأنها مُقدّرة ومحترمة في حضورها وغيابها، في عطائها وصمتها.
رابعاً: الاهتمام بين الغياب والتمثيل
من أخطر ما يُفقد العلاقات معناها أن يتحول الاهتمام إلى أداءٍ تمثيلي، يُقدَّم حين تُسلَّط الأضواء، ويختفي حين تُطفأ الكاميرات.
إن الاهتمام الحقيقي لا يُعلَن في منشور، ولا يُقاس بعدد الرسائل، بل يُقاس بصدق النية ودفء الفعل واستمرار العطاء.
فغياب الاهتمام يُوجِع، لكن زيفه يُميت.
ولذلك فإن أنبل أنواع العلاقات هي تلك التي يكون الاهتمام فيها صادقاً، لا يُنتظر منه مقابل، ولا يُدار بمنطق الحسابات.
خامساً: دعوة للتجديد الإنساني
ربما آن الأوان أن نُعيد تعريف الاهتمام داخل حياتنا الاجتماعية والمهنية.
أن نُدرّبه في أطفالنا كقيمةٍ أخلاقية، وأن نمارسه كقادةٍ ومربين كمبدأ إنساني.
ففي كل بيتٍ، وكل مؤسسة، وكل علاقة، يحتاج الناس إلى أن يشعروا بأن هناك من يراهم ويسمعهم ويهتم بهم بصدق.
فلا شيء يرفع الإنسان مثل اهتمامٍ نابع من محبة، ولا شيء يُنقِصه مثل تجاهلٍ صادر عن استعلاء.
🔸 الخلاصة
الاهتمام ليس تفضلاً، بل هو ميثاق إنساني بين القلوب.
وحين نفهم أنه جسرٌ بين المسؤولية والتقدير، سنُدرك أنه ليس مجرد سلوك، بل ثقافة تُبنى عليها الأمم وتُصلح بها النفوس.

